السيد محمد الصدر

32

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قوله تعالى : فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ : ويجدر بنا التعمّق إجمالًا في فهم معنى العلوّ في قوله تعالى : فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . فنقول : يمكن أن نتصوّر العلوّ المطلق ، كما يمكن أن نتصوّر مطلق العلوّ « 1 » ، مع الالتفات إلى أنَّ كلّ جنّةٍ هي عالية ، ولا أقلّ هي عاليةٌ بالنسبة إلى الدنيا أو بالنسبة إلى جهنّم ، فهي أحسن حالًا منهما . ثُمَّ إنَّ الجنّة : إمّا أن تكون في الدنيا ، وإمّا أن تكون في الآخرة ، وإمّا أن تكون مادّيّة ، وإمّا أن تكون معنويّة ، وبذلك تكون المحتملات أربعة . الاحتمال الأوّل : أن تكون الجنّة مادّيّةً في الدنيا ، كما يمكن التمثيل لها بالغنى والثراء والسعادة ، وهذه الجنّة لا قيمة لها بالإضافة إلى الحالات المعنويّة . الاحتمال الثاني : أن تكون الجنّة معنويّةً في الدنيا في ضوء ما يناله الإنسان من تكاملٍ روحي ومعنوي . الاحتمال الثالث : أن تكون الجنّة مادّيّةً في الآخرة ، وهي الجنّة العرفيّة والمتشرّعيّة ، التي تسمّى بجنّة أصحاب اليمين ، وهي إمّا جنّةٌ مادّيّةٌ حقيقيّةٌ ، أي : من نوع المادّة الدنيويّة ، وإمّا جنّة صوريّة ، كالجنّة المادّيّة ، إلّا أنَّها ليس لها جرمٌ ومادّةٌ ، وإن تمتّع الإنسان بها ، مع أنَّها غير مادّيّة . الاحتمال الرابع : أن تكون الجنّة جنّةً معنويّةً في الآخرة ، وهي أسمى أقسام الجنّة ، وتسمّى بجنّة المقّربين . ثُمَّ إنَّه قد يشكل على تفسير قوله تعالى : فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ بالعلوّ المطلق

--> ( 1 ) العلوّ المطلق : أعلى درجات العلوّ ، ومطلق العلوّ : درجةٌ من درجاته ومرتبةٌ من مراتبه .